فخر الدين الرازي

52

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة عبس وهي أربعون وآيتان مكية [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ابن أم مكتوم - وأم مكتوم أم أبيه واسمه عبد اللّه بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي - وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام ، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم ، فقال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أقرئني وعلمني مما علمك اللّه ، وكرر ذلك ، فكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قطعه لكلامه ، وعبس وأعرض عنه فنزلت هذه الآية ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يكرمه ، ويقول : إذا رآه « مرحبا بمن عاتبني فيه ربي » ويقول : هل لك من حاجة ، واستخلفه على المدينة مرتين ، وفي الموضع سؤالات : الأول : أن ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر ، فكيف عاتب اللّه رسوله على أن أدب ابن أم مكتوم وزجره ؟ وإنما قلنا : إنه كان يستحق التأديب لوجوه أحدها : أنه وإن كان لفقد بصره لا يرى القوم ، لكنه لصحة سمعه كان يسمع مخاطبة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أولئك الكفار ، وكان يسمع أصواتهم أيضا ، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بشأنهم ، فكان إقدامه على قطع كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإلقاء غرض نفسه في البين قبل تمام غرض النبي إيذاء للنبي عليه الصلاة والسلام ، وذلك معصية عظيمة وثانيها : أن الأهم مقدم على المهم ، وهو كان قد أسلم وتعلم ، ما كان يحتاج إليه من أمر الدين ، أما أولئك الكفار فما كانوا قد أسلموا ، وهو إسلامهم سببا لإسلام جمع عظيم ، فإلقاء ابن أم مكتوم ، ذلك الكلام في البين كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم ، لغرض قليل وذلك محرم وثالثها : أنه تعالى قال : إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ الحجرات : 4 ] فنهاهم عن مجرد النداء إلا في الوقت ، فههنا هذا النداء الذي صار كالصارف للكفار عن قبول الإيمان وكالقاطع / على الرسول أعظم مهماته ، أولى أن يكون ذنبا ومعصية ، فثبت بهذا أن الذي فعله ابن أم مكتوم كان ذنبا ومعصية ، وأن الذي فعله الرسول كان هو الواجب ، وعند هذا يتوجه السؤال في أنه كيف عاتبه اللّه تعالى على ذلك الفعل ؟ .